15 يوليو 2026 – يوضح مؤسس مجموعة ملتي بانك كيف ستواصل دول مجلس التعاون الخليجي ترسيخ مكانتها كمركز عالمي لرأس المال، مؤكداً أن الثقة، والبنية التحتية المالية المتطورة، والابتكار الرقمي ستكون الركائز الأساسية لهذا النمو، رغم تداعيات الحرب الإيرانية خلال السنة المالية 2026.

أدى الصراع الإقليمي إلى موجة من التقلبات في أسواق الأسهم. وفي مقابلة مع مجلة Finance Middle East، تحدث نصر الطاهر، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة ملتي بانك، عن استراتيجية المجموعة، ومستقبل الدولار الأمريكي، إلى جانب أبرز المؤشرات التي لا يزال المستثمرون في منطقة الخليج لا يمنحونها التقييم الذي تستحقه، رغم الحرب الإيرانية.

أكد نصر الطاهر أن الثقة تُعد الركيزة الأساسية لنجاح الشركات العاملة في منطقة الخليج.

 

كيف تتعامل مجموعة ملتي بانك مع تقلبات الأسواق، وما الفرص التي توفرها لتحقيق النمو خلال السنة المالية 2026؟ وما هي أسواق الأسهم المحددة التي تشيرون إليها؟

التقلبات ليست استثناءً في نموذج أعمالنا، بل هي البيئة التي صُممت بنيتنا التحتية المالية للعمل فيها. فقد نجحت مجموعة ملتي بانك في إدارة أعمالها على مدار عقدين من الزمن عبر مختلف دورات الأسواق، بدءًا من الأزمة المالية العالمية عام 2008، مرورًا بجائحة كوفيد-19، وصولًا إلى الصدمات الناتجة عن الصراع الإقليمي.

لا يتمثل دورنا في اتخاذ قرارات استثمارية نيابةً عن عملائنا، بل في تزويدهم بالبنية التحتية التي تمكّنهم من إدارة تعرضهم للمخاطر بثقة، من خلال توفير سيولة عميقة من بنوك الفئة الأولى، وتنفيذ فوري للأوامر، وتوجيه ذكي مدعوم بالذكاء الاصطناعي، وإمكانية الوصول إلى أكثر من 20,000 أداة مالية.

خلال فترة الصراع الأخيرة، ارتفع سعر نفط خام برنت من نحو 71 دولارًا للبرميل قبل اندلاع الصراع إلى ما يقارب 120 دولارًا عند أعلى مستوياته، قبل أن يتراجع إلى حوالي 78 دولارًا بحلول منتصف يونيو مع بدء اتضاح ملامح خفض التصعيد. وشهدت أسواق الأسهم الإقليمية تراجعًا حادًا، لكنه كان قصير الأمد، خلال الأسابيع الأولى، لا سيما في الإمارات والسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. إلا أن هذه الأسواق سرعان ما استعادت جزءًا كبيرًا من خسائرها، ليواصل مؤشر أسواق دول مجلس التعاون الخليجي أداءه الأفضل مقارنةً بالمؤشرات العالمية، مثل مؤشر S&P 500.

بالنسبة لمؤسسة مثل مجموعتنا، يُعد هذا النمط مؤشرًا مطمئنًا لا مثيرًا للقلق، إذ يؤكد أن أسواق المنطقة أصبحت تمتلك العمق والسيولة والثقة الكافية لاستيعاب الصدمات الخارجية الكبيرة والتعافي منها. وهذا تحديدًا هو الأساس الذي يجذب الاستثمارات طويلة الأجل.

خلال السنة المالية 2026، تتمثل أبرز الفرص في فئات الأصول التي يزداد نشاطها مع ارتفاع التقلبات، مثل الذهب والطاقة وسوق العملات العالمية، حيث تؤدي زيادة حالة عدم اليقين إلى زيادة مباشرة في نشاط التداول، إلى جانب التحول المتسارع في عمليات التداول والتسوية إلى بنية تحتية قائمة على تقنية البلوكتشين.

 

كيف ينظر المستثمرون اليوم إلى دول مجلس التعاون الخليجي؟ وهل يرون أن ما يحدث مجرد اضطرابات قصيرة الأجل، بينما لا تزال المقومات الأساسية طويلة الأجل كما هي، أم أن هذا الطرح أصبح مستهلكًا؟

لا، لا أعتقد أنه أصبح طرحًا مستهلكًا.

لقد شكّل الصراع اختبارًا حقيقيًا لهذه الفرضية، واجتازت المنطقة هذا الاختبار بنجاح. وأحدث البيانات خير دليل على ذلك، لا قراءة الماضي. فقد سجل اقتصاد دولة الإمارات نموًا بنسبة 5.6% خلال عام 2025، فيما نما القطاع غير النفطي بنسبة 6.1%، ليُسهم اليوم بنحو 77% من الناتج المحلي الإجمالي.

كما ارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة (Greenfield) بنسبة 78% خلال العام نفسه، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 33.2 مليار دولار، ما وضع دولة الإمارات ضمن أفضل عشر وجهات للاستثمار في العالم. ويؤكد ذلك أن وتيرة النمو استمرت خلال فترة الصراع، ولم تقتصر على الفترة التي سبقته.

من خلال تواصلي مع المستثمرين، ألاحظ أنهم باتوا يميزون بشكل متزايد بين المخاطر الناجمة عن العناوين الإخبارية والمقومات الأساسية طويلة الأجل.

كان الصراع اختبارًا حقيقيًا للأسواق. فقد تعرض مضيق هرمز لضغوط، ارتفعت أسعار النفط مؤقتًا إلى أكثر من 100 دولار، فيما واجهت الأسواق الإقليمية حالة من عدم اليقين. ومع ذلك، واصلت الاستثمارات تدفقها.

وبحسب تقديرات شركة هنلي، استقطبت الإمارات العربية المتحدة تدفقًا صافيًا لما يقرب من 10,000 مليونير في عام 2025، وهو أعلى صافي تدفق مقارنةً بأي دولة في العالم.

وهذا هو ما يميز وجهة استثمارية حقيقية، وليس مجرد فرصة استثمارية قصيرة الأجل. فالمستثمرون الجادون لا يتجاهلون المخاطر الجيوسياسية، بل تُعد جزءًا أساسيًا من كل قرار استثماري. وما تغير هو أنهم باتوا يرون بشكل متزايد أن دول مجلس التعاون الخليجي قادرة على تحويل الاستقرار إلى استمرارية في الأعمال. وهذا تحديدًا ما يقدّره المستثمرون على المدى الطويل، وهو ما يؤكد أن المقومات الأساسية للمنطقة ليست مجرد طرح، بل تستند إلى حقائق.

 

هل تعتقد أن الدولار الأمريكي سيواصل هيمنته على التجارة العالمية والنظام المالي العالمي خلال العقد المقبل؟

نعم، سيواصل الدولار الأمريكي هيمنته خلال العقد المقبل.

إلا أن هيمنته ستتراجع نسبيًا، وهو تطور صحي لا يمثل أزمة. فقد انخفضت حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية إلى نحو 56%–58%، مقارنةً بنحو 72% مع مطلع القرن الحالي.

ومع ذلك، لا يزال الدولار يُستخدم في تسوية نحو 89% من جميع معاملات سوق الصرف الأجنبي، كما يظل محوريًا في التجارة العالمية. ولا تزال الساحة تفتقر إلى بديل حقيقي قادر على منافسته على نطاق واسع. ففي حين يشكل اليورو نحو 21% من الاحتياطيات العالمية، لا تتجاوز حصة الرنمينبي الصيني نحو 2%، وذلك بسبب القيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال. وما يشهده العالم اليوم ليس تغييرًا في جوهر النظام المالي، بل في البنية التحتية المالية التي يقوم عليها. فنشهد توسعًا في تسوية المعاملات بالعملات المحلية، وارتفاعًا قياسيًا في مشتريات البنوك المركزية من الذهب، إلى جانب نمو المنصات الرقمية متعددة العملات، مثل مشروع mBridge، الذي أسهمت دولة الإمارات في ريادته بالشراكة مع الصين، وهونغ كونغ، وتايلاند.

أما بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فلا يزال الدولار يشكل الركيزة الأساسية للنظام المالي، نظراً لأن معظم عملات المنطقة مرتبطة به، ولأن الطاقة لا تزال تُسعّر بالدولار. ومن ثم، فإن التنويع يُعد نهجًا رشيدًا لإدارة المخاطر، وليس تحولًا أيديولوجيًا. أما النهج الأكثر واقعية خلال العقد المقبل، فيتمثل في نظام مالي متعدد الأقطاب على الهامش، لكنه يظل مرتكزًا إلى الدولار في جوهره.

 

كيف ترى تأثير الذكاء الاصطناعي والتداول القائم على الخوارزميات على الأسواق المالية خلال السنوات الخمس المقبلة؟ وما المخاطر التي يجب على الجهات التنظيمية والمستثمرين الانتباه إليها؟

نحن نعيش هذا التحول بالفعل، فهو ليس سيناريوًّا مستقبليًا. ففي مجموعة ملتي بانك، تُسهم أنظمة التوجيه الذكية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالفعل في تحسين تنفيذ الأوامر عبر منصاتنا، كما نعمل على نقل أكثر من 20 مليار دولار من أحجام التداول اليومية إلى بنية تحتية قائمة على تقنية البلوكتشين لأغراض التسوية.

أتوقع أن تشهد السنوات الخمس المقبلة ثلاثة تحولات رئيسية متسارعة. أولًا، ستواصل تكاليف تنفيذ الصفقات انخفاضها لتقترب من الصفر. ثانيًا، ستصبح الأسواق أكثر استمرارية، مع تراجع القيود التي تفرضها الحدود الجغرافية أو ساعات العمل التقليدية. ثالثًا، سيستمر انتقال الأصول الحقيقية، بدءًا من العقارات وصولًا إلى الائتمان الخاص، إلى شبكات البلوكتشين عبر عملية الترميز الرقمي (Tokenization).

وفي المقابل، لا تقل المخاطر أهمية عن هذه التحولات. أولها مخاطر الاعتماد على نماذج متشابهة والسلوك الجماعي؛ فإذا اعتمدت نماذج متعددة على الإشارات نفسها، فقد تُضخّم تحركات الأسواق التي صُممت في الأصل لإدارتها، مما يزيد من احتمالية حدوث اضطرابات حادة ومفاجئة. أما الخطر الثاني، فيتمثل في قابلية التفسير، إذ ينبغي أن يكون كل من الجهات التنظيمية والمستثمرين قادرين على فهم الأسباب التي دفعت أي نظام آلي إلى اتخاذ قرار معين. ويكمن الخطر الثالث في المرونة التشغيلية والأمن السيبراني، إذ قد تمتد آثار أي خلل أو ثغرة فيهما إلى النظام المالي بأكمله مع الاعتماد على الأنظمة الآلية في عمليات التسوية. أما الخطر الرابع، الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي، فيتمثل في أن سرعة إتاحة الخدمات الاستثمارية للأفراد أصبحت تفوق مستوى الثقافة المالية لديهم.

وجهة نظري بسيطة: ينبغي أن تسهم التكنولوجيا في توسيع فرص الوصول إلى الخدمات المالية، مع الارتقاء في الوقت نفسه بمستوى الحماية. ولا يوجد تعارض بين هذين الهدفين، بل إن الشركات التي تنظر إليهما بوصفهما هدفين متكاملين ستكون الأقدر على كسب ثقة العملاء والحفاظ عليها على المدى الطويل.

 

أين تكمن اليوم أبرز الفرص الاستثمارية في دول مجلس التعاون الخليجي؟ وما القطاعات التي لا تزال، برأيك، أقل من قيمتها الحقيقية أو لم تحظَ بالاهتمام الذي تستحقه من المستثمرين؟

أنصح المستثمرين بالتركيز على البنية التحتية التي تقوم عليها التحولات، لا على العناوين الرئيسة وحدها. فأبرز الفرص الاستثمارية تكمن في البنية التحتية المالية والرقمية، بما في ذلك أنظمة المدفوعات، والتسوية، والحفظ، وترميز الأصول.

وهذا هو المجال الذي ترسخ فيه دول مجلس التعاون الخليجي قدرات تنافسية عالمية.

ويُعد قطاع الخدمات اللوجستية وإعادة التصدير مجالًا واعدًا آخر للاستثمار. فقد شكّلت الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز تذكيرًا واضحًا بالموقع الاستراتيجي الذي تحتله المنطقة في حركة التجارة العالمية. أما الفرصة الثالثة، فتتمثل في تحول قطاع الطاقة والاقتصاد الرقمي، حيث استقطب قطاع الاتصالات وحده استثمارات أجنبية مباشرة جديدة في دولة الإمارات بقيمة تقارب 10 مليارات دولار خلال عام 2025، وخُصص جزء كبير منها لمراكز البيانات وتعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي.

أما فيما يتعلق بالقطاعات التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، فأرى أن القطاع العقاري يحظى بالفعل بتغطية واسعة، كما أن أسعاره تعكس قيمته إلى حد كبير. أما الفرصة الاستثمارية التي لا تزال أقل من قيمتها الحقيقية، فتتمثل في البنية التحتية المالية والرقمية التي تقوم عليها تلك الأصول، إلى جانب الشركات الصناعية متوسطة الحجم، وقطاع التصنيع غير النفطي في إطار مبادرات مثل «اصنع في الإمارات»، وسوق الائتمان الخاص، الذي لا يزال محدودًا مقارنة بحجم الاقتصاد الإقليمي.

غالبًا ما ينجذب المستثمرون إلى الأصول المرموقة، إلا أن العوائد الأكثر استدامة تتحقق في كثير من الأحيان من الاستثمار في الأنظمة والمنصات والبنية التحتية المالية التي تعزز كفاءة تلك الأصول وإنتاجيتها.

 

كيف تسهم الاستدامة في دعم التنويع الاقتصادي في دول الخليج؟

يمكن اختصار مفهوم الاستدامة في اختبار واحد: هل سيصمد التنويع الاقتصادي إذا استمرت أسعار النفط عند مستويات منخفضة لفترة طويلة؟ والإجابة اليوم، وبشكل متزايد، هي نعم.

ومن بين المؤشرات التي أتابعها عن كثب، نسبة مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، والتي بلغت نحو 77% في دولة الإمارات خلال عام 2025، إلى جانب معدل نمو هذا القطاع، الذي سجل نحو 6% في العام ذاته، متجاوزًا معدل نمو الاقتصاد ككل.

وبعيدًا عن المؤشرات الرئيسية، أركز على جودة الاستثمارات أكثر من حجمها. فالاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة التي تعزز الإنتاجية وتُسهم في بناء القدرات الإنتاجية، تُعد أكثر أهمية بكثير من تدفقات المحافظ الاستثمارية التي يمكن أن تنعكس بسرعة. كما أتابع نمو الائتمان الممنوح للقطاع الخاص، ومعدلات تأسيس الشركات الجديدة، ولا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تطور سعر التعادل للنفط في الموازنات الحكومية لكل دولة، إذ تعكس هذه المؤشرات مدى استمرار اعتماد المالية العامة على عائدات النفط والغاز.

بدأت مسيرة التنويع الاقتصادي في دول الخليج كجهد تقوده الحكومات ويعتمد على استثمارات رأسمالية كبيرة. أما اليوم، فأبرز المؤشرات الإيجابية تتمثل في أن المرحلة التالية أصبحت واضحة المعالم، حيث بدأ رأس المال الخاص والأسواق المحلية الأكثر عمقًا وسيولة يلعبان دورًا متزايدًا إلى جانب الحكومات. ويُعد هذا الانتقال، الذي يمكن قياسه من خلال حصة الإيرادات غير النفطية من الموازنة العامة، إلى جانب عمق الأسواق الإقليمية، المعيار الحقيقي لاستدامة التنويع الاقتصادي. وتشير المؤشرات الأولية بوضوح إلى أن المنطقة تسير في الاتجاه الصحيح.

 

ما دور الشركات العائلية في تعزيز الحوكمة، وانتقال القيادة بين الأجيال، وتخصيص رأس المال بكفاءة، والإسهام في بناء الثروات؟

تُشكل الشركات العائلية العمود الفقري للاقتصاد غير النفطي في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ تستحوذ على حصة كبيرة من نشاط القطاع الخاص وتوفر نسبة كبيرة من فرص العمل. ومن ثم، فإن الطريقة التي تتطور بها ستسهم في تشكيل مستقبل الثروات في المنطقة خلال العقود المقبلة.

وانطلاقًا من تجربتي في بناء مؤسسة، أرى أن هناك ثلاثة تحديات رئيسية. أولها الحوكمة، إذ ينبغي للشركات العائلية الفصل بين الملكية والإدارة، وإشراك أعضاء مستقلين فعليًا في مجالس الإدارة، لضمان أن تستند القرارات إلى الكفاءة، لا إلى الأقدمية. أما التحدي الثاني، فهو انتقال القيادة بين الأجيال. فكثير من العائلات لا تبدأ التخطيط له إلا عندما تُجبر على ذلك، وهو خطأ. فالجيل الجديد غالبًا ما يكون قد تلقى تعليمه في الخارج، ويحمل طموحات مختلفة، واستعدادًا مختلفًا لتحمل المخاطر، وتوقعات مختلفة. لذلك، ينبغي إرساء إطار واضح لانتقال القيادة في وقت مبكر.

أما التحدي الثالث، فيتمثل في تخصيص رأس المال. فالمنطقة تشهد تحولًا من نموذج استثماري يتركز في عدد محدود من الاستثمارات ويعتمد على العلاقات الشخصية، إلى نموذج أكثر تنوعًا ومؤسسية في تخصيص رأس المال. ويشمل ذلك انفتاحًا متزايدًا لدى الأجيال الشابة على تنويع الاستثمارات عالميًا، إلى جانب الأصول الرقمية، وهي توجهات كان كثير من المؤسسين يترددون في تبنيها في السابق.

أما الشركات العائلية التي تنجح في ترسيخ العمل المؤسسي، فستتمكن من تنمية ثرواتها عبر الأجيال. أما تلك التي لا تفعل ذلك، فستكون أكثر عرضة لتشتت ثرواتها. وهنا تبرز أهمية وجود بنية تحتية مالية منظمة ومحكمة التنظيم، لأنها توفر لرؤوس الأموال العائلية البيئة اللازمة لتنويع الاستثمارات، والحفاظ على القيمة، وضمان استدامتها.

 

بحكم اطلاعكم الواسع على تدفقات التداول العالمية، ما أبرز المؤشرات التي ترونها اليوم بشأن مستقبل اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي، والتي لا تزال غائبة عن معظم المستثمرين وصناع السياسات؟

من وجهة نظري، هناك ثلاثة مؤشرات لا تزال لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه.

أول هذه المؤشرات أن دول مجلس التعاون الخليجي لم تعد مجرد مصدر لرأس المال، بل أصبحت مركزًا لإدارته. فالتدفقات المالية باتت تُدار وتُسوّى وتُوجَّه بشكل متزايد من داخل المنطقة، بدلًا من أن يقتصر دورها على استثمار رؤوس الأموال في الخارج. وهذا دور أكثر استدامة بكثير من مجرد كونها مصدرًا لرؤوس الأموال العالمية.

أما المؤشر الثاني، فيتمثل في السرعة التي تنتقل بها عمليات التداول والتسوية، إلى جانب الأصول الحقيقية، إلى البنية التحتية القائمة على تقنية البلوكتشين في المنطقة. ويُعد الوضوح التنظيمي الذي توفره أطر تنظيمية مثل «سلطة تنظيم الأصول الافتراضية» (VARA) في دبي، و«سوق أبوظبي العالمي» (ADGM)، ميزة تنافسية حقيقية لا يزال كثيرون على المستوى العالمي يقللون من أهميتها. وفي أواخر عام 2025، نفذت دولة الإمارات أول معاملة مالية حكومية باستخدام الدرهم الرقمي، وتمت تسويتها في أقل من دقيقتين. ولم يكن ذلك مجرد خطوة رمزية، بل دليلًا على السرعة التي يُعاد بها بناء البنية التحتية المالية الحكومية نفسها.

أما المؤشر الثالث، فهو ما كشفه الصراع الأخير بوضوح: فقد جاءت استجابة المنطقة لصدمة خارجية حادة قائمة على الصمود، لا الهشاشة. فقد استمر تدفق رؤوس الأموال، وواصلت المؤسسات أداء أعمالها، وظلت الثقة قائمة.

ما يغيب عن كثير من المستثمرين وصناع السياسات هو الاتجاه الذي تمضي فيه المنطقة. فلم تعد دول مجلس التعاون الخليجي مجرد وجهة تُستثمر فيها الأموال، بل أصبحت مركزًا تُبنى فيه البنية التحتية المالية العالمية، وتُدار منه، ويزداد الاعتماد عليه يومًا بعد يوم.

وهذا التحول، أكثر من أي نتائج أو بيانات فصلية، هو ما سيرسم ملامح العقد المقبل.